تتناول المحاضرة أهمية الكلمة الأخيرة للإنسان عند الاحتضار وكيف تشكل القاعدة الأساسية لحياته الأخروية، مع بيان دور التربية الأسرية والعوامل الوراثية في بناء شخصية الفرد وأفعاله. كما توضح المحاضرة أن الأعمال والخطايا تتراكم لتؤثر على صفاء القلب ونطق الشهادة في اللحظات الأخيرة، مستشهدة بقصص وعِبر تاريخية. وتؤكد في ختامها على ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة، والحفاظ على الصلة الدائمة بالله عز وجل من خلال الذكر والتوبة.
بسم الله الرحمن الرحيم. إننا نعيش في الحياة الآن مثل المسافر تقريباً الذي ينزل في المطار ومعه حقيبته ورايح ترانزيت من مكان إلى مكان. أو مثل الذي يركب في قطار وكل واحد محطته ينزل فيها. الدنيا بالنسبة لنا الآن دار انتقال ليست دار بقاء، دار انتقال من مكان إلى مكان. المسيح سلام الله عليه يقول كلمة، يقول للحواريين، يقول لهم كلمة، يقول لهم ماذا؟ يقول إن أساس البناء القاعدة بتاعتي إذا كانت القاعدة ثابتة وسليمة فالبناء سليم.
إنما أنا أقول عكس ذلك. فطلعوا عليه الحواريين وقالوا له كيف تقول هكذا؟ قال لهم أنا عندي آخر حجر يوضع في البناء هو الأساس بتاعه. آخر حجر يوضع في البناء هو يكون القاعدة الثابتة للعالم الآخر. ولذلك الحجر الأخير أو اللبنة الأخيرة في البناء تعتبر الكلمة الأخيرة للإنسان حينما يترك هذا العالم وينتقل إلى العالم الآخر. فإذن الكلمة الأخيرة هي حجر أخير في البناء بتاعه وبتاع شخصيته وبتاع ما عمله كله في دنيته. يعني يريد أن يفهمنا أن آخر كلمة تطلع من الإنسان وهو يحتضر هي التي تشكل القاعدة للحياة الأخروية عنده في الأعلى.
يعني يقول لك إن الذي يحدد هذه الكلمات ما هو؟ الكلمة الأخيرة للواحد وهو يحتضر يقولها، ما الذي يحدد هذه الكلمة؟ عوامل كثيرة تحددها عوامل تربوية وعوامل أسرية إضافة إلى الصفات الوراثية. العوامل التربوية هذه عندما نمسك الإنسان من أول طفولته. أنت على فكرة عندما أقول لك أنت عندما تجي تنقي المرأة التي ستتزوجها لا تنقيها على شكلها وعلى لبسها وعلى ما أعرف ماذا؟ نقي المرأة التي تقدر أن تحمل أولادك إلى العالم الثاني وتخليهم يعيشون حياة صحيحة.
لأن الإنسان على هوى المرأة التي يأخذها يكون أولاده. طريقة التربية الخاصة بالأم، يعني أقول لك أنت عندما تجي تعلم رجلاً علمت شخصاً. إنما عندما تعلم امرأة علمت أسرة. فالمرأة هي مسؤولة عن البيت، هي التي تربي الأولاد صح. الولد يأخذ أول أربع سنين في عمره القاعدة الأساسية الخاصة بحياته. إذا أخذها صح مشت الأمور بعد ذلك، البناء أصبح سليماً. إذا أخذها خطأً البناء لن ينفع. يعني عندما تجي نحكيك مثلاً قصة حدثت وتشوف كيف أن ما أقوله متطبق عليها.
شاب، قصة قديمة لكن شاب دخل يسرق خزينة الملك. فقبضوا عليه. عملوا له محاكمة وحاكموه. حكموا عليه أن يشنق في مكان عام أمام العالم كله. فالعالم التمت، جاء وقت تنفيذ الحكم، واقف هو على المنصة التي يضعون عليها الحبل، قال لهم قبل أن أتشمت فقط أريد أن أقول كلمة. قالوا له قل. قال لهم الذي وقفني على حبل المشنقة هذه المرأة التي تبكي أمامكم. فالناس كلها تسلطت وانهالت، ما الذي يجيبونه، أمه قاعدة تبكي منكتفة لوحدها. فقال لهم الموضوع بدأ كيف؟
كنت طفلاً صغيراً رحت عند جدنا، كان عندهم عشة فراخ كبيرة. رحت ألعب مع الأولاد هناك وأنا طالع سرقت بيضة. فرحت عند أمي قلت لها خذي. قالت لي من أين جبتهم؟ قلت لها سرقتهم من العشة، فضحكت وقالت لي والله إنك شاطر من صغرك، تعالى آمن لك إياهم، قلت لهم أكلوا. لما أمي قالت لي الكلمة هذه حسيت بفخر بداخلي أن أمي مبسوطة مني وأنني عملت عملاً أكبر من سني. بعد البيضة صارت فرخة. دجاجة يعني. راح سرقها وجاء. قالت له ألا أقول لك إنك شاطر من يومك
أخذتها وعملتها له وأكل منها. حس أن العمل هذا يرضيها كثيراً. تحولت من البيض إلى الفراخ إلى البيوت إلى الناس إلى أن وصل لخزنة الملك. فشوف الأم كيف تربي وشوف الأم كيف تطلع الولد. فهو قال لهم الذي أوقفتني على حبل المشنقة التي تبكي قصادكم هذه أمي. لو كانت ضربتني منذ أن كنت صغيراً ولو كانت قالت لي رجع البيضة واعتذر للعالم أو قالت لي روح ادفع حقهم لما كان هذا الذي حدث في. ولذلك أنا أقول لك المرأة التي تتزوجها يجب أن تهتم بأن تكون ستربي أولادك كيف؟
وخذ بالك ليس فقط أولادك بل إليك، أولادك سيدخلون في العالم الآخر كيف بسببك أنت. يعني تكوينة الشخصية الخاصة بك تكون متوقفة على أبوك وأمك. وبعدين أنا أنصح الشباب والبنات الآن ألا تعاملوا أولادكم بالطريقة التي أنتم تعاملتم بها. أيها الأب أيتها الأم إذا أبوك رباك بطريقة أو أم أو أب، أبوك رباك بطريقة أولادك يختلفون عنك، أولادك يعيشون في زمن غير زمانك. ولذلك أنت ممكن تربيهم وتكون في حل وسط، يعني لا تأخذ مثل ما أبوك كان بيعاملك بالضبط تعامل ابنك، ابنك في عالم ثانٍ،
ابنك في جيل ثانٍ، في حياة غير حياتك التي أنت عشتها. فلازم تراعي النقطة هذه، وإلا الأولاد يطلعون ملخبطين نفسياً ولذلك نحن نرى أمامنا الآن شباباً كثيرين متوترين، متوترين، غير قادرين خصوصاً في عالم الغرب غير قادرين أن يوافقوا بين الأسرة وبين المجتمع في الخارج. المجتمع له قيم والأسر تفرض عليهم قيم. يجب أن تكون أنت جئت بهم إلى بلاد الغرب، يجب أن تكون أنت تعاملهم بالطريقة الوسطى أن يأخذوا قيمك ويمشوا عليها وفي الوقت نفسه يتعاملوا مع الخارج كأنهم أيضاً من ضمن الناس الذين في الخارج مع الاحترام بالقيم والاحترام بالتقاليد الخاصة بالبيئة الخاصة بك والدين الخاص بك.
حاجات ثانية أيضاً تؤثر في شخصية الإنسان وهي العوامل الوراثية. يعني العوامل الوراثية تطلع الولد يأخذ من جدوده ومن آبائه الطول، القصر، الشعر، اللون، المشية، الحركات العصبية، أحياناً في كثير تلاقي مثلاً يقول لك هذا طالع لجده أو هذا طالع لخاله أو هذا طالع، هذه كلها وراثة. إنما ليس معنى وراثة أن الناس عندنا نسخ مكررة، الناس ليسوا نسخاً مكررة، لأن الجهاز العصبي للإنسان ليس شيئاً متجمداً، بالعكس شيء متطور مع الحياة التي هو يعيشها.
يعني مثلاً الإنسان عندما مثلاً أخذ صفات وراثية من أبيه العصبية مثلاً معناه أنه ليس مجبراً أن يطلع صورة مكررة من الأب، هو عنده حياة وعنده مجتمع وعنده قيم جديدة وعنده تطلعات اجتماعية جديدة، لن يكون صورة من أبيه، يمكن أن يأخذ منه الأشياء التي لا دخل له فيها، لون الشعر، لون الوجه، الطول، القصر، إلى آخره. نجي لنرى الآن أعمالنا التي نحن نعملها لها تموجات. أحياناً تكون أعمال لها تموجات ظاهرة وأحياناً أعمال لها تموجات باطنة.
يعني ماذا؟ يعني مثلاً سأضرب لك مثالاً. الآن أنت ماشي وجدت في الشارع واحداً أعمى يريد أن يقطع الشارع والسيارات مليئة. فجئت أنت تركت الذي في يدك وأخذته وقطعت الشارع والناس واقفة تتطلع عليك. أنت تشعر انتعاش روحاني بداخلك. تشعر أنك قد إيه عمل روحك مبسوطة منه، والناس قاعدة أيضاً تتطلع عليك ومبسوطة منك كثيراً. الإحساس هذا الذي عندك يصنع موجات حولك. الموجات هذه تؤثر على المحيطين بك فيبدو منهم أيضاً نوع من البهجة والانشراح بالعمل الذي أنت عملته.
في حين أن لو واحد ثانٍ عمل عملاً خبيثاً مثلاً، راح قتل واحداً، راح سرق من أحد، راح عمل أي حاجة سيئة، تلاقي عنده الموجات هذه موجودة لكن موجات ظالمة، كئيبة، موجودة بداخله، جوه نفسيته. فتختلف، لكن الموجات هذه تؤثر تأثيراً كبيراً على المحيط الذي أنت فيه. يعني مثلاً عندما نجي نقول الإنسان عندما يعمل العمل هذا وتأتيه حالة روحانية مبسوطة منها وفرحان، الحالة هذه لو فرح بها وهذه حلاوتها يحاول أن يكررها مرة أخرى، تصبح عنده عادة.
بعد أن تصبح عنده عادة أنه يساعد العالم ويساعد لأن الشعور الذي يأتيه شعور جميل جداً، فيتعود على أن يقدم مساعدات، يقدم خيراً، يقدم يقدم يقدم يقدم. الحالة هذه تتحول من عادة إلى ملكة. ملكة تصبح فيه بطبيعة شخصيته، يعني مثل نحن مثل ما نسمع الآن حاتم الطائي مثلاً. حاتم الطائي هذا بدأها هكذا، صارت عنده ملكة، صار لا يقدر أن يقعد في مكان إلا ويطعم من حوله ويضيف من حوله ويعطي ويعطي ويعطي لما طلع صيته وانشهر. الحالات هذه إذن ماذا تفعل؟
تؤثر في شخصية الإنسان، يعني أنت شخصيتك عبارة عن مجموعة الطبائع ومجموعة الأفعال التي أنت عملتها، هذه تكون شخصيتك. الناس تعرفك بالشخصية الخاصة بك هذه. الشخصية هذه هي التي تؤثر فيك في آخر أيام حياتك. إذا تربيت أنت ونميتها ونميتها وأخرجتها فهي التي تؤثر عليك في اللحظات الأخيرة. اللحظات الأخيرة هذه مهمة جداً يا جماعة. الكلمة الأخيرة التي يقولها الإنسان مهمة جداً لأنها قلت لك البداية أو القاعدة الأساسية للحياة القادمة التي في الأعلى.
طيب، ننظر الآن كيف أن هناك بني آدمين يتأثرون على هوى الطبيعة وعلى هوى المجتمع الذي يعيشون فيه. يعني نحن الآن مجتمعنا شكل ومجتمع أيام زمان شكل ثانٍ تماماً. يعني عندك مثلاً لو أضرب لك مثالاً بقصة حدثت في زمن الرسول وتشوفي المقارنة بين الناس كيف كانت تفكر والناس الآن عندنا تفكر كيف؟ واحد اسمه ثعلبة. نحن نعرف أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان عندما يخرج للجهاد يجيب الرجال مثلاً رجل يطلع الثاني يؤخيه. يعمل له أخاً له، يقول له "أنت تطلع معي في الجهاد، أنت تدير بالك على عائلتك وعلى عائلته".
يعملهم هكذا بالضبط. كل المجاهدين الذين معه كان يعمل قصادهم ناس آخرين يديرون بالهم على العائلات الخاصة بهم. يعني أنت أخوك يدير باله على عائلتك وعلى عائلة المجاهد، ويصير أخاً له. يدير باله على عائلته كيف يعني؟ أنت تعرف زمان لم يكن هناك ماء في حنفيات وبانيوهات مثل ما عندنا الآن، فيقول له أنت تناوله الأسرة الماء، تجلب لهم الحطب، تجلب لهم الطحين، تجلب لهم طلباتهم. ثعلبة قدم نفسه للجهاد مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. فالرسول بينه وبين واحد ثانٍ قال له "تعالى بقى، أنت تكون موجوداً في المدينة، هو يخرج معي في الجهاد، أخوك يخرج معي وأنت تدير بالك على أسرتي".
قال له "طيب". كان كل يوم يناولهم الأغراض من ماء، من حطب، من خبز، من من من من من. يوم من الأيام لعب الشيطان بعقله. إننا نعلم أن النساء قديماً كن لا يخرجن أمام الرجال، بل كن يتحدثن من وراء حجاب. يعني تضع ساتراً هكذا وتتحدث من وراءه. يوم لعَبَ الشيطان بعقله، وهي تحدثه بالطبع وهي على أمان تام أنها ليست لابسة ولا محضرة حالها لأن يراها أحد، فلعِبَت بثياب بيتها. فهو إذ تحدث معها من وراء الحجاب، شال الحجاب. فهي تفجعت بقوة وقالت له: "كيف تفعل هكذا؟
أنت لا تعرف أنني زوجة أخيك؟ أليس آخر رسول بينك وبين أخيه؟ يا حيف عليك، كيف تفعل هكذا؟" حاول أن يمد يده ليمسكها إلا أنه خاف وهرب جاداً. فقالت له: "والله لأشتكينك إلى رسول الله ولأشتكينك إلى أخيك حين يأتي، أنت شخص لا أخلاق لك أنت وأنت وأنت". حست بارتباك شديد في نفسها، حست بارتباك شديد بما فعله وخاف، ففر هارباً إلى الصحراء. قعد في الصحراء يقول: ماذا فعلت؟ ماذا فعلت في نفسي؟ ما فعلته هذا خطأ! يا رب، يا ترى هل يسامحني ربي؟ يا ترى هل سيساحمني رسول الله؟
ماذا سأقول له حسناً؟ ما الذي جعلني أفعل ذلك؟ يبكي ويبكي ويبكي ويبكي. بالطبع كان قرب وصول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فلما جاء زوجها من الحرب قالت له: ما أخبارك؟ قالت له: حدث كذا وكذا وكذا من أخيك الذي اسمه ثعلبة. قال لها: أين هو؟ قالت له: هرب وذهب إلى الصحراء. فذهب إلى الصحراء هناك وقال له: ما الذي فعلته يا ثعلبة؟ قال له: والله سامحني، أنا غلطت وأنا الحق عليك وأنا أستغفر ربي وأحاول وأحاول، يبكي ويبكي ويبكي وينتف في حاله.
قال له: أنا لا أعرف ماذا أفعل معك، ولكن تعال أنا وأنت نذهب إلى رسول الله لنرى كيف سيحكم علينا. أخذاه وذهبا إلى الرسول. لما جرد أنه رفع الغطاء ورآها، قال له الرسول: «لقد جئت شيئاً عظيماً يا ثعلبة». قال له: أعلم يا رسول الله، وأخذ يبكي ويبكي ويبكي، فقال له: «اذهب فاستغفر ربك». فرجع مرة أخرى إلى الصحراء يستغفر الله. يعني بجد حست بضيق شديد جداً حتى إن الرسول قال له: «اذهب فاستغفر ربك». المهم ظل قاعداً في الصحراء إلى أن جاءه عن طريق جبريل سلام الله عليه، حيث نزل إلى الرسول وقال له: إن الله غفر له، فأرسل في طلبه.
فأرسل الإمام علي سلام الله عليه وقال له: يا ثعلبة، لقد غفر الله لك، تعال معي إلى المسجد لتتحدث مع رسول الله. فلما وصل إلى المسجد، انظر إلى شدة شعوره. وصل إلى المسجد وكانت للتو نازلة سورة اللهم صل على محمد وآل محمد. «ألهاكم التكاثر» كانت للتو نازلة. فوقف يصلي وراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فسمع الرسول يقرأ: «ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر». كلا، بل كان لديهم ملكة أن يعرفوا المعنى. «كلا سوف تعلمون». انتبه إلى كلمة «كلا سوف».
سوف يعني فيما سيأتي. سوف تعلمون، متى إذن؟ في لحظة الاحتضار. على الفور التقطها. «ثم كلا سوف تعلمون». انتبه، كلمة «ثم» في اللغة العربية للتراخي في الزمن. فقال: «ثم» يعني في زمن بعد «كلا سوف تعلمون». متى إذن؟ في يوم القيامة. يعني لديك علمان: في وقت الاحتضار وفي يوم القيامة. «لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم، ثم لترونها عين اليقين، ثم لتسألن يومئذ عن النعيم». يعني كأن الله سبحانه وتعالى في هذه السورة يقصد أن يعلمني مراحل العلم، مراحل العلم الثلاثة.
علمها لك في سورة الواقعة، وأعلمها لك في سورة التكاثر. قال لك: علم يقين، وعين يقين، وحق يقين، يعني ماذا؟ يعني مثلاً أضرب لك مثالاً. مثلاً أنا قلت لصديقتي: يوجد محل في هذا الشارع يفتح محل ورد مثلاً، يبيع ورداً. هذا علم يقين، لأنها تثق بي وتثق في كلامي مثلاً، لن أكذب عليها، فهذا علم. فأخذتها معي وقلت لها: ها هو المحل من بعيد، فماذا صار؟ عين يقين، لقد رأته. أما عندما أدخلها داخل المحل فستعرف أن هذا حق يقين. لذلك مراحل العلم التي علمنا إياها ربنا: علم يقين، وعين يقين، وحق يقين.
يعني تعلم العلامة العلم الذي أداه لك في القرآن، وبعدين عين يقين في لحظة الاحتضار، وحق يقين في يوم القيامة. ثعلبة سمع الكلام الذي قاله الرسول، فشهق شهقة وقع على الأرض ومات. انظر إلى قوة الضمير كم هي. تعال لنرى الآن نطبق أعمال ثعلبة التي عملها بما نراه الآن في حياتنا. انظر أنت، النساء الآن ماذا يفعلن؟ انظر أنت، بناتك كيف يتصرفن؟ انظر أنت، أولادك الشباب كيف يتصرفون؟ هذا من نظرة واحدة، رفع الغطاء لكي يرى زوجة صاحبه، فصار ما صار.
حتى الرسول لم يسامحه، بل قال له: «اذهب فاستغفر ربك». تعال لنرى الآن المصافحة بالأيدي، التنانير المرفوعة إلى أعلى، الموضة التي الآن، شخص غبي من أهل الغرب يطرأ في ذهنه أن يعلي التنورة، فكل بناتنا تنقاد بهذه الطريقة. طب لماذا؟ إذن أنت لديك أعظم قيمة، لديك قيمة دينك الذي قال لك كيف تلبسين في القرآن: «يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن». إذا أنت لبست تنورة قصيرة فأنت لست من نساء المؤمنين.
وإذا أنت أيها الرجل، أيها الأب، أيها الزوج، سامحت لزوجتك وسمحت لبنتك أن تخرج هكذا، فلا أنت من المؤمنين ولا هي من المؤمنات. لذلك فإن الله أعطانا النعيم لكي نعيش فيه، أما نحن فنجري وراء شخص خرفان وغبي، يفعل هكذا بحسب مزاجه، كل النساء في كل مكان، انظر إلى الأعلى، كل الفضائيات المذيعات والممثلات والأفلام وكلهم يلبسون كله عريان، لماذا؟ لكي تباني أنك أنت مودرن وأنك راقية وأنك ماشية على الموضة. أنت ماشية مثل النعجة وراء شخص غبي،
وضع لك موديل وقال لك: هذا هو الموديل المنتشر الآن. يا بنات افقن، يا نساء افقن، لأن الزمن يجري بكم والأيام تقترب من النهاية. ماذا نقول لك هنا؟ المواقف الأخيرة هي التي تحدد شخصيتك. حياتك كلها، الرصيد الذي عملته في حياتك هذا كله يظهر في كلمة واحدة. هل يستوي من قال: فزت ورب الكعبة؟ بالذي قال: «هلك عني ماليا»؟ «هلك عني ماليا، هلك عني سلطانيا»؟ هل يستوون؟ انظر هذا ماذا قال، وانظر هذا ماذا قال. الإمام سلام الله عليه، الإمام الصادق يقول لك: إن العبد إذا أخطأ أو أذنب صار في قلبه نكتة سوداء، نقطة سوداء.
إذا لم يلحق حاله بالاستغفار والتوبة فإنها تكبر. أتدرين كيف نقطة الحبر تفرش؟ إذا أتبعها بخطأ تظهر نقطة أخرى، وأيضاً خطأ آخر تظهر وتعبأ قلبه كله سواداً. «كلا بل ران على قلوبهم». أتدرين ما معنى ران؟ يعني كما تقول قطعة حديد تغطت بالصدأ. «كلا بل ران على قلوبهم». إذا اسود القلب وتغطى كله بران، فلا يدخله نور أبداً. في اللحظات الأخيرة لا تجد أي طريقة تستطيع بها أن تنطق أي كلمة سليمة توصّلك إلى العالم الثاني سليماً. يقول لك: الخير حلقات والشر حلقات.
حلقة تجر حلقة وحلقة تجر حلقة، الخير والشر كل واحد يجر الثاني. يعني يقول لك: إن نحن المسلمين المتبعين لديننا لدينا حصانة في جوارحنا ضد الخمر. فأي شاب، إياك أن تقعد على طولة فيها ناس يشربون الخمر حتى لو أنت تصلي وتصوم ومن المستحيل أن تشربه ومن المستحيل أن تفعله، لا تقعد معهم على الطولة. لماذا؟ لأن قعودك معهم على نفس الطولة ينزل حصانتك هذه. ينزلها يقلل من قيمتها شيئاً فشيئاً، فتجد نفسك: طيب اشرب هذا، طيب افعل هذا، طيب خذ لك رشفة، طيب يا عم أنت لست متبحراً، يا عم أنت لست ماشياً مع الجو، يا عم أنت قديم، يا عم أنت لست رجلاً.
يضلون يشدونك إلى أن تذوق، ولو ذقت انتهيت. ولذلك أنا أطلب من الأمهات ومن الآباء، ابنك في سن المراهقة الذي هو 16 أو 17 سنة يقول لك: أنا قاعد الآن في البدروم مع أصحابي من أجل أن نتكلم، ننحي، نأكل، نعمل. انتبه عليه، لأن سيجارة واحدة تلف على الكل، ومن السيجارة تنتقل إلى الماريجوانا، وتنتقل إلى الحشيش. انتبهوا على أولادكم، البنات نفس الشيء، لا تفكر أن الصبي شكله بنت، البنات نفس الشيء، انتبهوا على أولادكم ولكن ليس بقسوة. يعني الحنية مطلوبة وفي الوقت نفسه وضع حد للخطأ.
لأن الأم إذا ما لحقت هذا الأمر، فإنه يستفحل ولاحقاً بعد ذلك لن تقدر. نقول لكم هنا إن أيضاً وصايا الرسول صلى الله عليه وآله بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر. إياك أن تفكر، أنت مسلم ومأمور بهذا الأمر. «كنتم خير أمة أخرجت للناس» أو تقرأ «كنتم خير أئمة أخرجت للناس» لأن خير أمة تقتل الإمام علي وتقتل الإمام الحسين؟ بعدين هندخل في الموضوع. «تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر». ليس معنى هذا أنني مرة قلتها لجماعة ووجدت أن النساء يتصرفن هكذا: أنت يا فتاة لم لا ترتدين الحجاب وأنت لم تفعلي كذا، أنت مفكرة حالك؟ هذا خطأ بخطأ.
النصيحة ثقيلة فلا ترميها جبلاً كما يقول أمير المؤمنين. تريدين إعطاء نصيحة، تأمرين بالمعروف وتنهين عن المنكر بطريقة لطيفة جداً وبطريقة تحببين الناس أولاً في الكلام الذي ستتقولينه وبعد ذلك تقولينه. ولذلك الأمر بالمعروف علموهن كل أئمتنا. كل الأئمة علمونا هذا الأمر حتى لو أدى إلى القتل. يعني أضرب لك مثالاً، الإمام الرضا سلام الله عليه كان في وقته مع المأمون. المأمون كان جباراً، جباراً بمعنى كلمة جبار. تراقب الحجاج بقسوته؟ كان هذا أقسى.
إنما كان عالماً من العلماء، يعني كان من علماء العباسيين لكنه كان جباراً جداً وكان يرى نفسه أن ما أحد يقدر أن يقف أمامه ولا يعترض ولا يتكلم بكلمة. إنما الإمام عندما يرى الخطأ لابد أن يتكلم به. دخل عليه مرة من المرات الإمام الرضا عليه السلام فوجد خادمه يوضئه. يعني لو أي شخص يمسك لك الإبريق ويصب على يدك، ماشي. لو أي شخص مثلاً يساعدك بالماء، ماشي، أما أن يوضئك فما معنى يوضئك؟ يعني هو يصب الماء ويغسل له وجهه، وهو يضع الماء على اليد، قال له لا تشرق بالله أحداً.
فغضب عليه المأمون، قال له لا تجعل مع الله شريكاً. قال له كيف يعني؟ قال له يعني وضوءك لابد أن يكون أنت لتتوضأ لا أن يوضئك أحد. فصرف الولد لكنها حزت في قلبه لأنه انتقده أمام خادمه. صرف الولد وأعاد وضوءه. دخلوا بعد ذلك في مجلس. نعرف أن المأمون في كل لحظة كان يحاول إرجاعه أو الإمام يدخله في مجالس ويحضع له جماعة من اليهود والنصارى ليناقشهم. دخل في مجلس كان مليئاً بالناس. فكانوا قد جيئوا للمأمون بواحد سرق. فتطلع فيه المأمون هكذا، فوجد أثر السجود هنا.
قال له: هذا الوجه الذي يصلي ويسجد يسرق؟ فحزت النفس بالرجل، قال له: أنا والله ما سرقت إلا من حاجة. قال له: وما حاجتك؟ قال له: منعت بيت مال المسلمين عنا، وما وجدت شيئاً لأكل أولادي فاضطررت أن أسرق. فتطلع المأمون في الإمام الرضا هكذا وقال له: ما رأيك؟ فلما نظر الإمام رد عليه وقال: سرقت فقطعت. كلمة صعبة يقولها له أمام الناس في جمع من الناس، فالإمام اتخض وفي الوقت نفسه قال له: ولكني سأقطع يدك. يريد أن يرجع شخصيته. فقال له الرجل لا تستطيع، الحرامي قال له لا تستطيع، قال له ولماذا؟
قال له لأنك عبد من عبيدي. قال له نعم؟ قال له نعم. أُمك كانت من العبيد اشتراها أبوك ببيت مال من بيت مال المسلمين فأصبحت أنت وأمك من عبيد المسلمين. فتطلع المأمون في الإمام الرضا وقال له ما رأيك؟ قال: ولله الحجة البالغة. يعني ماذا؟ يعني أن كلامه مضبوط. فوضعها في نفسه وصمم في ذلك الوقت على أن يقتله. بعدها لم يعد يومين إلا وكان سائلاً. انظر، أدى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقال ولو على القتل وكان يعرف أنه سيقتل بسبب المأمون لكن قال كلمة الحق تقال ولو على قتله.
انظر كيف علمنا أئمتنا. نعطيكم شيئاً الآن، وهو أن الذكر القلبي والذكر العلني. لو أنك اتبعت في حياتك أن تذكر الله في سرك في قلبك وتذكر الله في العلني، فهذا يصفيك، ويجعلك في اللحظات الأخيرة تنطق بالكلمة النورانية وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله. الذكر العلني هذا مهم جداً لكي تكون في اتصال مع الله. يعني أيضاً سأضرب لك مثالاً بقصة أخرى، يقول لك إن شخصاً سيداً كان راكباً في سيارة وكان معه ناس في السيارة. هجموا عليهم في الطريق لصوص.
فوقفوا السيارة وحاولوا أن ينزلوهم ويسرقوا كل ما معهم. السيد حاول أن يفهمهم أن هذا حرام وأنه لا يصح أن تفعلوا هكذا، ولا يصح وهذا حرام الله سيحعابكم، فلم يردوا عليه، أخذوا كل ما معهم ونزلوهم من السيارة. وبينما هم واقفون سمعوا الأذان، فهناك أذان بجانبهم، فنظر فوجد زعيم العصابة معه إناء ماء، وضع الماء وتوضأ ووقف «الله أكبر» يصلي. فوقف السيد مدهوشاً منه، وبعد أن انتهى من الصلاة قال له: تسرق الناس وتعرضهم لحرمان الله وتقف تصلي لله؟
فقام فقال له: إنني تعودت ألا أقطع الخيط الذي بيني وبين الله، يبقى بيني وبين ربنا خيط، لا تعرف ماذا يفعل الله بك بعد ذلك؟ المهم أخذوا ما أخذوه وتركوا لهم السيارة وتركوهم يركبون. مرت سنة سنتان، وذهب هذا السيد إلى الزيارة. يقول: بينما أنا في الزيارة وجدت رجلاً ملتحياً يلبس دشداشة بيضاء ويحمل المسبحة ويسبح ويبكي ويسبح ويبكي في الزيارة، فقرب منه السيد وقال له: سلام عليك يا مولانا. قال له: وعليكم السلام. قال له: أتعرفني؟ قال له: لا.
قال له: أنا الحرامي الذي سرقتك في السيارة عندما كنت قبل سنتين. فتطلع فيه السيد هكذا وقال له: ألم أقل لك الخيط الذي بيني وبين الله لابد أن يكون عامراً؟ هداني الله لأن هذا الخيط شدني إلى الله، فرددت كل الأموال لأصحابها، والمال الذي لم أعرف أصحابه تصدقت به عنهم وتبت إلى الله توبة نصوحاً وسمح لي بالزيارة. هذا هو الاتصال؛ لأن الإنسان مهما يغلط، مهما يغلط، لابد أن تكون هناك صلة أكيدة بينه وبين الله، بالذكر، الذكر القلبي هذا مهم جداً، يقولون إن الذكر القلبي أفضل من العلني بسبعين مرة.
الصدقة التي تقدمها، يقول لك إنك عندما تأتي لتدفع الصدقة سبعون شيطاناً يقف حولك ليمنعك، فإذا تغلبت على شيطانك في الدنيا فلن يقدر عليك في اللحظات الأخيرة. هذه اللحظات الأخيرة تأتي بناءً على الشخصية التي تبنيها في حياتك شيئاً فشيئاً على أساس دينك وعلى أساس علمك وعلى أساس فهمك لحياتك المؤقتة لأنك تذهب للحياة الثابتة التي تضع فيها الأساسات الصحيحة. نتوقف إلى هنا اليوم، ونراكم في حلقة أخرى إن شاء الله، والسلام عليكم.
محطات الحياة طرق العيش في رضا الله محاضرة من تقديم الدكتوراه الحاجة ميرفت عمد