تتناول المحاضرة أحكام سورة الطلاق وتوضيح المفاهيم الخاطئة المنتشرة في المجتمع حوله، مثل كيفية طلاق السنة والعدة وأهمية عدم إخراج الزوجة من بيتها طوال فترة العدة. كما تؤكد المحاضرة على وجوب التقوى والتوكل على الله في العلاقات الأسرية، مع بيان أحكام النفقة وحضانة الأبناء وتقدير الله لكل شيء في الكون.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. سنتحدث اليوم عن سورة الطلاق. لأننا ملاحظون أن في الجلية حوادث طلاق كثيرة جداً والناس ليسوا فاهمين كيف يتصرفون في مواضيع الطلاق هذه. كلما تنازع واحد مع امرأته ماذا يفعل؟ هي تسحب ملابسها وتذهب إلى بيت أبها، أو تجده هو يسحب وينتقل إلى الفندق، أو يتفقان على الذهاب عند الشيخ. والشيخ ماذا سيحل أم ماذا أم ماذا؟ المهم أنه يجب علينا أن نكون عارفين ديننا ماذا يقول لنا بالنسبة لموضوع الطلاق.
يعني أنا أناشد كل أم وكل أب أن يفهموا أولادهم عن موضوع الطلاق ماذا يطلب الله من كل زوجة ومن كل زوج، ماذا يطلب وقت الطلاق؟ نسمع السورة معاً ونرى الموضوع كيف. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. «يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة. واتقوا الله ربكم». نتوقف عند كلمة نحن عارفين أن كلمة صلي التي توضع فوق الآيات هذه تعني أنه وقف. لماذا السورة هنا؟ هذه السورة يسمونها سورة النساء القصيرة.
لأن كل موضوعها يتحدث عن العلاقة بين المرأة والرجل. لماذا بدأت السورة هنا بـ«يا أيها النبي»؟ لأن «إذا طلقتم النساء» يعني تكلم بخطاب لواحد ثم نقلوه لمجمع. لأننا نعرف أنه عندما يكون هناك قوم وفيهم سيد، فالخطاب يوجه للسيد للشريف الذي فيهم. فهنا ربنا سبحانه وتعالى يوجه الخطاب للرسول صلى الله عليه وآله وسلم على أساس أنه سيد القوم. «يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة». ما هي عدتهن؟ الآن سنعرف موضوعاً عن العدة وعن إحصاء العدة.
نحن نعرف أن الطلاق نوعان. طلاق السنة وطلاق العدة. ما الفرق بين طلاق السنة وطلاق العدة؟ طلاق السنة هو أن الواحدة يعني مثلاً خلاص اتفقا على أن يطلقا. فالمفروض أن يحصل ماذا؟ أن أول ما تأتيها الدورة يطلقها، وبعد أن تنظف وتطهر يطلقها ويكون بشاهدي عدل. يشهدان أنه طلقها طلقة ولما تخرج من البيت ولا تطلع منه، وينفق عليها ويصرف عليها، وتفضل قاعدة في البيت معه لغاية ما تأتيها الدورة مرة أخرى من غير أن يمسسها أبداً، ومرة أخرى من غير أن يمسسها أبداً، فتصير ثلاث مرات.
بعد الثلاث مرات تطلق منه وإذا كان يريد أن يرجعها تصبح خطوبة جديدة وكتب كتاب جديد وإلى آخره. هذه اسمها طلاق السنة. أما طلاق العدة فما هو؟ أحصوا العدة يعني ماذا؟ يعني مثلاً هما اثنان اختلفا مع بعضهما وتشاجرا مع بعضهما فقال لها خلاص سوف أطلقك، ورمى عليها يمين الطلاق بشهود عدل، ويجب أيضاً أن يقع يمين الطلاق في حال طهر وفي حال ويكون هناك شاهدا عدل معي. لأن لا يجوز الطلاق الذي يقولونه الآن وترونه على التلفزيون وفي الأفلام: روحي وأنت طالق طالق طالق، هذا كلام فارغ.
الطلاق يجب أن يكون بشاهدي عدل ويكون في حق المرأة، ويجب أن تكون في حالة طهر. يعني انتهت الدورة وفي حالة طهارة. هنا رمى عليها اليمين أول مرة وأحضر شاهدي عدل وقال لهما: أنا طلقتها طلقة أولى. بعدين تصالحا مع بعضهما وتصافيا مع بعضهما، فرجع رجعها مرة أخرى وجامعها. إذا نام معها خلاص رجعت له مرة أخرى. يجيء بعد ذلك فيختلفان أيضاً اختلافاً آخر وتشاجراً آخر مناوشات بينهما، فيطلقها مرة أخرى أيضاً بالطريقة نفسها، تكون في حالة طهر ويكون معها شاهدا عدل.
تصالحا مرة أخرى واتفقا مرة أخرى ورجع نام معها مرة أخرى ورجعها مرة أخرى، فأطلقت فصارت الطلقة الثانية. الطلقة الثالثة بقى لو حصلت واختلفا مرة أخرى وطلقها مرة أخرى بشهود وفي حالة طهر تحرم عليه. يجب أن تتزوج واحداً آخر وتتزوج جوازاً ليس كما يفعلونه في الأفلام الآن المحلل، المحلل يسمونه على فكرة تيس الغنم. لأن المحلل هذا خطأ. وهو أن يجب أن تتزوج عادية وتتزوج معه جوازاً عادياً فعلياً وليس فقط جوازاً اسمياً على الورق. لأن هذا يكسر من يكسر من الزوج الذي كل شوية يطلقها ويرجعها، يطلقها ويرجعها، فلازم
فرّغ هذا المقطع. ربنا يريد أن يعطيه درساً فلازم تتزوج واحداً آخر لكي تستطيع لو تركت الثاني وأرادت أن ترجع للأول تستطيع أن ترجع له. هذا اسمه إحصاء العدة. هنا انظر الكلمة ربنا كلمة أعطاها لهم: «واتقوا الله ربكم». لأن ربنا يريد التقوى في العلاقات الزوجية والعلاقات الأسرية. وبعدين هنا عندك أمر، والأمر هذا الذي أنا أناشد فيه الأمهات والآباء أن يفهموه لأولادهم: «لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن». يعني أنت كرجل إياك أن تقول لها: اخرجي اذهبي إلى بيت أهلك.
لأنك هكذا تكون خالفت كلام ربنا. وأنت يا أختي لا تخرجي، لأن عندك أمراً من ربنا: «ولا يخرجن» ولا أنت تخرجي. لماذا؟ لأن لو كان اثنان متفقين على الطلاق وقعدوا في وجه بعضهما، كل واحد ينظر في الثاني بينه وبين نفسه يقول ماذا؟ خلاص هذه المرة لن أراها مرة أخرى هذه المرة أو هي تقول لن أراه مرة أخرى، يمكن يحصل بعد ذلك حنية في قلبيهما على بعض فيرجعان لبعضهما مرة أخرى. فهنا ربنا سبحانه وتعالى يقول لك: يجب أن تقعد العدة كلها ثلاثة أشهر في وجهه ويصرف عليها وتكون قاعدة معه في البيت.
لأن يمكن ربنا يحدث بعد ذلك شيئاً. متى يخرجها من البيت؟ «إلا أن يأتين بفاحشة مبينة». يعني لو ضبطها في موضوع زنا أو ضبطها في موضوع صعب جداً مع حق وقتها يقول لها اخرجي. وبعدين اسمع الكلام بقى بعدها: «وتلك حدود الله». «ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه». هذا حد من حدود الله. الآن نحن نرى الشباب لا يهتمون بهذه الناحية، لا البنت ولا الولد. البنت تقول له: أنا غاضبة وتذهب إلى بيت أبها، والولد يسحب حاله ويذهب أو يطلع إلى بيت أبيك، والله لأرجعك إلى بيت أبيك على بيت بايت، لا يجوز.
اسمع كلام ربنا يقول لك ماذا: لا هي تطلع ولا أنت تقول لها اخرجي. ولا أنت من مزاجك تطلع. «ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً»، التي قلتها لك الآن. لا تعرف يمكن ربنا يحنن قلوبهم على بعض فيرجعان لبعضهما مرة أخرى لأن هدم البيوت صعب. «فإذا بلغن أجلهن فأمسكهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف». يعني انتهت العدة، عدت الأشهر الثلاثة وهو ما أمسكها أبداً في الأشهر الثلاثة، يمشي يقول لها: والله لأجعلك مثل البيت الواقف، والله لأعلقك، والله لا لا لا لا، إياك أن تفعل هكذا، إياك، لأن هذه حدود ربنا، وربنا قال لك بمعروف تمسكها وبمعروف تفارقها.
وهو أحلى شيء أن لو اثنان اختلفا في الحياة العائلية ليس فيها شيء أبداً عندما يبقيان في الخارج أصدقاء. يعني في يوم من الأيام كنت عائشة معك، في يوم من الأيام كنت عائشاً معي، ليس فيها شيء عندما نكون كل شوية نسأل عن بعض، لم نقدر أن نتكيف مع بعضنا في قلب بيت واحد، إنما لا يمنع، ليس نكون أعداء بقى، وخصوصاً إذا كان هناك أطفال وكان هناك أولاد، كل واحد يرمي على الثاني، وكل واحد يفسد الولد ضد أبيه أو تفسدها ضد أمها. هذا كله كلام خطأ، وكله كلام بعيد عن الدين، وكله كلام يغضب ربنا علينا.
«وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله». يعني عندما تفارقها أو تمسكها، إذا سترجعها تريد شهود عدل. إذا تريد أن تخلص العلاقة خالص بشهود. ما فيش حاجة زي ما احنا بنشوفها دلوقتي منها لا منها لنفسها وممنه لنفسه، اطلعي وأنت طالعة أو روحي وأنت طالعة، وخلاص قال جوزي رمى علي رمية الطلاق، كله كلام فارغ على فكرة. الذي ترونه التمثيليات وترونه في الأفلام هذا كله كلام فارغ بعيد عن ديننا خالص، ديننا ليس هكذا. يعني نحن لا نتحدث الآن في مذاهب، سني وشيعة، نتحدث الآن في قرآن.
القرآن يقول لك ماذا؟ «ذلك يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر». الذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ليس له دعوة بهذا الموضوع. يوعظ به، يعني هذه عظة، ذكرى. وربنا يفهمك لمن؟ للذي يؤمن بالله واليوم الآخر. انظر بقى هنا الوعد بتاع ربنا: «ومن يتق الله يجعل له مخرجا». طيب نأتي نقول له مخرج من ماذا يا رب؟ تجعلي مخرجاً من ماذا؟ التقوى التقوى مهمة جداً في حياتنا الاجتماعية وفي حياتنا العائلية وفي حياتنا الأسرية. التقوى مهمة جداً، لماذا؟
لأنك أنت عندما تتقي الله، يعني ماذا تتقي الله؟ يعني تبعد عن غضبه. يعني تعمل الأعمال التي تبعدك عن غضب ربنا. لأن لو عملت عملاً يوقعك في غضب ربنا، كل أعمالك ذاهبة. فهنا: «ومن يتق الله يجعل له مخرجا». قال: من شبهات الدنيا، من غمرات الموت، من شدائد يوم القيامة. يخرجك منها. طبعاً نحن نعرف أن الدنيا مليئة بالابتلاءات ومليئة بالشدائد ومليئة بالمصائب. فالإنسان الذي يتقي الله ربنا يخرجه من المصائب هذه ويتقي يخرجه من المواقف الصعبة التي تمر علينا لأن دنيتنا الدنيا بمعنى كلمة دنيا يعني أنها كلها ابتلاءات واختبارات وكلها شيء وضيع.
«ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب». يعني إذا أنت كنت تريد الرزق من ربنا الحلال اتق الله في كل تصرفاتك. «ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب». «ومن يتوكل على الله فهو حسبه». حسبه يعني كافيه. هنا التقوى هنا تجعلك تفعل ماذا؟ أن طالما أنت تتصرف في حياتك أمامك مخافة ربنا. «ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه».
ما معنى أن تخاف مقام ربّك؟ يعني أن تكون في مكان وحدك، ويمكن أن تفعل أموراً ولا يطلع عليك فيها أحد أبداً، إلا أن ضميرك أخبرك بأنّ الله يراك، وأنّ الملائكة تسجل لك، وأن هناك كاميرات خفية تلتقط تصرفاتك، ونظراتك، وكل ما تفعله، فحينها تخاف من الله، وتشعر كأنّ هناك أعناقاً قوية أو عيوناً قوية مطلعة عليك. فهنا الخوف من مقام ربّك يجعلك من أهل الجنة. «ومن يتق الله يجعل له مخرجا» وأن المخرج يكون من كل شدائد الدنيا. ويرزقه من حيث لا يحتسب.
هنا الرزق لا يقتصر على المال، ولا تظنوا أن كلمة يرزقه تعني فقط أعطيه مالاً. كل شيء جميلاً يمنحك إياه الله يُسمى رزقاً؛ رزقاً معنوياً، أو رزقاً مادياً، فمثلاً قد تمتلك روحانيات عالية ترفعك إلى الأعلى، وهذا يُعد رزقاً من عند الله. وهذا أعطاك إياه الله نتيجة لتقواك. «ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه» هنا هل تعلمون معنى حسبه؟ أي كافيه، أي يكفيه. يعني أن المتوكلين هم ناس خصوصيون، إذ لا يستطيع كل الناس القول: أنا متوكل على الله، فترى أحدهم يقول: هيا نتوكل على الله.
ثم يتراجع عن كلامه في التصرفات العادية ولا يكون متوكلاً. الذي يتوكل على الله بحق هو الذي يلقي حمله كله على الله. أي كن فيما بيد الله أرجى منك لما في يدك. يعني أن ثقتك بأن الله سيعطيك أفضل من ثقتك بأنك أنت من ستعدل الأمور. «أن الله بالغ أمره» ما معنى بالغ أمره؟ يعني أن أمر الله إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون. فإذا أراد الله أن يقدر عليك شيئاً فسيفعله. وتأكد أن الله لا يقدر عليك إلا كل خير، لذلك عندما ينزل قدر الله على الإنسان، فعليه أن يقبله بهدوء وصبر، حتى لو بدا القدر سيئاً أو ضد مصلحتك، فإن الله يرفع عنك الأمور السيئة ولا يعطيك إلا الأشياء الطيبة.
«أن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا» ما معنى قدرا؟ أي أن الله قد وضع لكل شيء حداً لا يخرج عنه. لا يخرج عنه. وهذا يعني مثلاً أن كل شيء مقدر في الدنيا، وكل شيء داخل في القدر. حتى الزراعة، حتى الحيوان، حتى الهواء، كل شيء بمقدار، وكل شيء بتقديرات إلهية. يعني عندما تزرع شجرة في الأرض، فإنها تأخذ من الأرض كميات مقدرة لها من عند الله سبحانه وتعالى. الهواء الموجود أمامك في الغلاف الجوي هو تقدير من الله، كميته، شكله، وقته، وكل شيء فيه مقدر؛ فالكون ليس مخلوقاً عبثاً، بل كله تقديرات وحسابات هندسية وفلكية رهيبة.
نحن لا نريد الخوض في هذا الموضوع الآن، ولكن الله سبحانه وتعالى قدر لكل شيء قدراً. قدراً. وهنا ننتقل إلى موضوع آخر: «واللائي يئس من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر» يعني حتى لو أراد طلاقها وهي متقدمة في العمر وقد تجاوزت مرحلة الحيض وما شابه، فعدتها تكون ثلاثة أشهر فقط. «واللائي لم يحض» هن اللائي هن دون سن البلوغ «وأولات الأحمال» «أجلهم أن يضعن حملهن» يعني لو كانت المرأة حاملاً واتفقت مع زوجها على الطلاق، فمجرد الولادة تنتهي عدتها.
يعني لو طلقها ليلاً ووضعت حملها في الصباح، تكون قد انتهت عدتها. وبعد ذلك يجوز لها أن تتزوج في اليوم الثالث، أو الرابع، أو الخامس، إذ لم تعد في عدة. عدة الحامل هي وضع حملها، حتى لو كان سقطاً. يعني لو كانت حاملاً لشهر أو شهرين ونزل الجنين ميتاً، فقد انتهت عدتها. «ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا» ما معنى ذلك؟ يعني أن الإنسان الذي يخاف الله، ويتبع أوامره، ويتبع الأفعال التي أمرنا بها يجعل الله كل أموره ميسرة. «ذلك أمر الله»، انظر إلى الكلام.
«ذلك أمر الله أنزله إليكم» وما معنى أنزله إليكم؟ يعني أنه منزل في القرآن، وهذا أمر من عند الله، فاحرص على أن هذا الكلام واجب التنفيذ. أمر يعني للتنفيذ، وليس أمراً لنستمع إليه ثم نتجاهله. «ومن يتق الله»، وهنا تدل التقوى على الورع عن محارم الله. «ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته» يعني بمجرد أن يشعر الله أنك استقريت على أن الله يراك، وأنه لا ينبغي لك فعل المعاصي، وأنك تخاف الله وأنت وحدك بينك وبين نفسك فهنا يقول لك الله: «يكفر عنه سيئاته».
يعني حتى لو ارتكبت خطأً فإنه يكفره لك. وما معنى كلمة يكفر؟ أي يغطيها. لأنهم يقولون إن الزارع يطلق عليه في اللغة العربية كافر. وكافر لا تعني مشركاً بالله، كلا، بل كافر يعني يغطي، إذ يضع الحبة ويضع عليها التراب ويغطيها ويسقيها بالماء، فهذا يسمى كفراً. كفر أي غطى السيئات. هناك فرق بين يمحو السيئات وبين يغطيها. يغطيها يعني يخفيها، أما يمحوها كلياً فهذا أمر آخر وأعظم. فهنا «ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته» ويسترها بالمغفرة «ويعظم له أجرا»
يعني لا يكفرها فقط، بل يعظم له أجراً. وهنا ننتقل إلى وصايا أخرى. «أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم» ما معنى ذلك؟ يأتي أحدهم ليقول لها: وهذا نراه أيضاً في الأفلام، وفي تلك الأعمال التي يقدمها من لا يفهمون الدين، إذ يفصلون الأعمال أو يصورون تمثيلات لتشوه الدين، وهذا كلام فارغ. يأتي الرجل ليقول لها: أريد أن أصنع لك بيتاً أسكنك فيه على ذوقي الخاص. فيضع لها مثلاً كنبة، أو حصيرة، أو ما شابه، وهو في الأصل يسكن في قصر. كأنه يريد إغاظتها وقهرها.
فقال له الله: كلا، «أسكنوهن من حيث سكنتم»، أينما كنت تسكن فهي تسكن. «من وجدكم»، والوجد هو القدرة والتمكن. «ولا تضارهن»، أي إياك أن يجيء رجل ليقول لها: والله لن أطلقك، وتذهبي إلى مئة شيخ ولن أطلقك، وسأتركك معلقة كالكعكة المعلقة، وهذا ليس من السماحة في شيء، لا في التمثيليات ولا في الأفلام ولا في حياتنا العادية أيضاً، فيقول لها: كلا، لن أطلقك، وتذهب به إلى الشيخ وتقول يا مولانا ويا مولانا، فيرد الرجل ويقول: لا، لا أريد أن أطلقها، لا أُريد طلاقها، ويتركها ويذهب ليتزوج بأخرى.
فلا هو تركها تتزوج، ولا هو أبقاها معه. وهنا يقول لك: «ولا تضارهن»، لتضيقوا عليهن. انظر إلى كلام الله. إياك أن تضبرها لتضيق عليها. «وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن» يعني لا تكون زوجتك حاملاً وتريد طلاقها فتتركها وتغادر البيت وتتركها بلا مصروف وبلا مال، أو ترسلها إلى بيت أهلها. قلنا من قبل إنه ممنوع أن تخرج. وقلنا من قبل إنه لا يجوز أن تقول لها اخرجي وهي لا تخرج. أما الآن، فأنت مجبر على الإنفاق عليها طالما هي حامل إلى أن تضع طفلها.
وأيضاً عندما تلد، تتفق معك على أجر الرضاعة. أنا أرضعه وأنت تدفع لي الأجر. هنا: «فإن أردن لكم فآتوهن أجورهن» أترون كيف؟ يعني تقول لك هذا ابني وأنا أرضعه من قلبي، الأم تقول أريد أن أرضع ابني، ومع ذلك فأنت مجبر في هذا الوقت طالما أنك ناوي طلاقها أن تدفع لها أجر الرضاعة. وإذا اختلفت أنت وهي على الأجر، فبإمكانك استئجار امرأة أخرى ترضع لك ابنك. «وأتمروا بينكم بمعروف» يعني انظر كيف يطلب منك الله أن تكون العلاقة لطيفة بينك وبينها، حتى الزوجة التي ستطلقها، لأنكم كنتم يوماً معاً على ما يرام، وحتى لو اختلفتم بعد ذلك، وحتى لو حدثت بينكم مصائب الدنيا
فكل شيء يمر، ولكن تذكروا أنكم كنتم في يوم من الأيام على ما يرام معاً، فلا داعي للعداوة والاختلافات، ولنكن أصدقاء ونتواصل مع بعضنا، خصوصاً إذا كان هناك أطفال. «فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم» يعني إذا اختلفتم مع بعضكم فسترضع له أُخرى. لينتهي هذا المقطع. «ذو سعة من سعته» أين ينفق؟ ينفق عليها، يعني أن يكون رجل غني ويقول لها مثلاً: أنت قاعدة في البيت وأنا مجبور أن أصرف عليك حتى تنهي عدتك لأطلقك، ولكن ليس لدي مال.
تطلب منه كذا فيقول ليس لدي مال، ولا يوجد مال، اصرفي أنتِ أليس قد قلت لك ابقي في البيت وكلي ما هو موجود في البيت؟ كلا، بل قال: طالما أن الله وسع عليك في الرزق، فيجب أن توسع عليها، «لينفق ذو سعة من سعته». «ومن قدر عليه رزقه»، وما معنى قدر؟ يعني كان رزقه ضيقاً جداً ولا يملك مالاً، «فلينفق مما آتاه الله» «لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها»، ثم انظر إلى رحمة الله: «سيجعل الله بعد عسر يسرا» يعني كما جاء في آية أخرى: «وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته»
يعني إذا لم يعد بإمكانهما التحمل مع بعضهما، فيقال له: يا أخي اتركها وأنت اتركه، ويهدي الله كل واحد بطريقته. وهنا قال له: «سيجعل الله بعد عسر يسرا»، لأنك مشيت بشرع الله، واتقيت الله، وسمعت كلامه، ونفذت أوامره، فسيجعل الله لك بعد العسر يسراً، فالطلاق عسر، وخراب البيت عسر، ولذلك يجعل الله بعد العسر يسراً. ثم انظر إلى الكلام اللاحق في السورة، إذ يوجه الله لك تهديداً مبطناً لمن يعصي أمره، استمع: «وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله»، وعتت تعني استكبرت، «عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا»
فماذا يجب على الإنسان أن يفهم؟ أن من يخالف كلام الله، ويتكبر على كلامه ويفعل عكسه، عليه أن يتوقع العذاب الشديد والحساب الشديد. «فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا» ذاقت وبال أمرها في الدنيا، وكانت عاقبتها في الآخرة الخسارة بالطبع. «أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب»، وأولو الألباب هم أصحاب العقول، اتقوا الله، والله يطلب منا التقوى كثيراً في هذه السورة. الذين آمنوا، بالطبع أصحاب العقول ليسوا الكفار، بل أصحاب العقول هم الذين آمنوا، «قد أنزل الله إليكم ذكرا»
انتبه، هذه الكلمة مهمة جداً وافهمها معي، «قد أنزل الله إليكم ذكرا» أنزل. والذكر هنا، فمن هو الذكر؟ الرسول، فكأن الرسول نزل من فوق. وهذا يذكرك بالكلام القائل: أنا كنت نوراً قبل أن يخلق الله الخلق، فالرسول نور نزل من فوق. «قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله»، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الذكر الذي نزل من فوق، «أنزل إليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات». أعطيكم الآيات واضحة مبينة ومفسرة.
لماذا؟ «ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور» «ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً قد أحسن الله له رزقاً»، أحسن الله له رزقاً في الدنيا وفي الآخرة. «الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن». وقد قلنا من قبل إنه عندما سألوا الإمام الرضا سلام الله عليه وقالوا له: ما معنى سبع سماوات وسبع أرضين؟ فحرك يده هكذا وقال: هذه أرض وفوقها سماء، وهذه أرض وفوقها سماء، كل أرض وفوقها سماء.
لا تظني أنه كما تجدينه الآن في بعض كتب التفاسير سبع سماوات طبق بعضها فوق بعض فضفاضة، والأرض تحتها طبقات طبقات، لا لا. أراضٍ، كل أرض عليها سماء، وكل أرض عليها سماء، سبع أراضٍ وسبع سماوات. «يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً»، يتنزل الأمر بينهن، خذي بالك بينهن، ليس على أرضنا فحسب، بل على السبع سماوات والسبع أراضٍ، فإذا أمر الله في القرآن فإنه أمر ورسالة لكل السماوات وللكون كله.
وقد قلت لك من قبل إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رحمة للعالمين، وليس لعالمنا وحده. رحمة للعالمين، والقرآن نزل قرآناً لكل العالمين، لكل مخلوقات السماء، وكأن الأرض مفضلة؛ لماذا؟ لأن الأرض وُلِد فيها رسول الله، ولأننا قلنا لك من قبل إن آدم ونوحاً وإبراهيم وكل هؤلاء متكررون في السماوات العليا، متكررون في كل أرض وكل سماء ولهم أنبيائهم، أما رسول الله فلم يتكرر، رسول الله واحد فقط ولذلك جاء في الآخر تماماً، ولذلك الدين الخاتم الخاص به لن يعم أرضنا وحدها بل سيعم كل الأفلاك السماوية، وهو يوم الدين الذي هو يوم الإمام المهدي (عجل الله فرجه) سلام الله عليه، ولذلك الإمام المهدي أيضاً الذي هو من عترة رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو واحد.
ولذلك العصر المهداوي لن يكون في أرضنا وحدها، بل العصر المهداوي سيكون في كل السماوات العلا، من أرض وسماء إلى أرض وسماء، لتكون كل المخلوقات عائشة في العصر المهداوي، ودين الله هو الدين الواحد الموجود في كل السماوات. نتوقف عند هذا الحد اليوم ونكمل في موضوع آخر إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.